الأُم ومتلازمة داون

 

 أتى رمضان وكلنا شوق لرؤية بعضنا البعض في مسجد حينا وما أن نجتمع في أول ليلة من لياليه إلا وترانا ندور بأعيننا نتفحص الوجوه التي أعتدناها ثم نحتضن ونهني بعضنا البعض أن أبقانا سالمين أصحاء وكانت كل الوجوه التي أعتدناها باقية ناضره غير أنا افتقدنا عجوزا كانت تجلس بجوارنا وبإفتقادها تذكرت أول لقاء بها فقد كنت أسمعها تهمس بين الصلوات وتارة ترفع صوتها بالدعاء وأحيانا ترفع يدها وتدعو دعاء الحزين المضطر بين الأذان والإقامة مع مايتخلل ذلك من أنين وبكاء والغريب أنها تفعل ذلك يوميا وحين سمعتها
تدعي بحرقة: الله لا يوفقك  الله ينتقم منك الله يحرمك كما حرمتني الله الله الله أخذتني الرهبة والفضول فسألتها وياليتني لم أفعل حيث كان جوابها كالصاعقة  ياخاله: على من تدعي يوميا قالت : على ولدي
حقيقية ألجمني ردها حتى جمعت شتاتي فقلت/ لماذا فلم أفهم منها شيئا من شدة الحزن والألم وتداخل كلامها وهي تقصص القصة غير أن جارة لها تعرفها همست لي أن أصمت حتى لايزداد الأمر سوء ولم أكن أعلم أنها تعرفها وبعد أن ذهبت العجوز استفسرت مندهشة فقالت جارتها/ هذا الابن أخذ مالها ومال أخوانه ظلما وعدوانا وزور أوراقا وأتى بشهود مزيفين ثم رماها في الطابق الأرضي في بيت متهالك ليس برا بها بل ليوهم الناس أنه مظلوم وزاد من ظلمه أن حرمها أبنائها وحرم بنتها الوحيدة من زيارتها لأنها رفعت دعوى عليه فهددها بأنها لو اقتربت من البيت سيكسر السياره فإذا أرادت زيارتها تحضر المسجد  قلت في نفسي هذه قصة خيالية ولابد أن أترقب مجيئ ابنتها ومرت أيام فأبصرت امرأة تجلس بجوارها والعجوز تحضنها وتبتسم لها فاقتربت منها سائلة: هل تعرفيها ؟ قالت/ نعم هي أمي
ودار الحديث بيني وبينها لأكتشف أن جارة العجوز محقة في كل كلمة وأن الأخت المسكينة سلب مالها وكسرت سيارة ولدها لأنها زارات أمها ولأكتشف أن المسكين الحقيقي هو لا غير فماذا ينفعه المال وله أم تدعو عليه بحرقة في ليالي رمضان يوميا ونسي أن ثلاث لاينظر الله إليهم منهم عاق والديه
تلك كانت قصة عجوز المسجد في داخل جدرانه التي تشهد الصلوات والتراتيل والدعوات أما خارج جدران المسجد وعلى عتبات درجانه فتكمن قصة طفل مغولي لا يملك عقلا كعقل ابن العجوز لكنه يملك قلبا رحيما وفطرة سليمة لقد علمني هذا الطفل المغولي أن إعاقة الذهن لا تقارن بإعاقة الدين والاخلاق علمني أن المريض الحقيقي مريض القلب بقسوته وتبلده ونفاقه(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) كل ذلك تعلمته وأنا أراقبه يوميا ينتظر أمه على عتبات المسجد بلهفة وشوق وكأنه يخاف أن لا تخرج من المسجد أو يخاف أن لا تعود وكأني أراه يتفحص وجوه الأفواج الخارجة بأعدادها الكبيرة ليلحظ أمه وما أن يراها حتى يقبل عليها وكأنها أقبلت من سفر بعيد ثم يرافقها إلى السيارة وصادف أن تبعها يوما عامل النظافة يريد مالا فظن أن العامل يؤذي أمه فرده وخاصمه على ضعفه بكلام غير مفهوم؟ لله درك من طفل مغولي ياليت الأبناء الأصحاء يتعلمون منك وياليت ابن العجوز يراك ببصيرته لا ببصره ليتعلم منك ورحمك الله أيتها العجوز ماذا لو كان ابنك هو الطفل المغولي هل كنت ستتألمي كل ذلك الألم؟ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملاحظة : سيتم النشر عند الموافقة على التعليق

جميع الحقوق محفوظة لمدونةسناء الشاذلي2017